أبي منصور الماتريدي
16
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - فإن قيل من جهة المعتزلة : لو كان المتكلم من قام به الكلام لما صح إطلاقه حقيقة على المتكلم بالكلام الحسي ؛ لأنه لا بقاء له ، ولا اجتماع لأجزائه حتى يقوم بشيء . قلنا : صحة الإطلاق مبنية على أن المعتبر في اسم الفاعل وجود المعنى لا بقاؤه ، لا سيما في الأعراض السيالة ، كالمتحرك والمتكلم . وإن قيل من جهة الحنابلة ومن تابعهم : إن المنتظم من الحروف قد لا يكون مرتب الأجزاء بل دفعيّا كالقائم بنفس الحافظ ، كالحاصل على الورقة من طابع فيه نقش . قلنا : الكلام في المنتظم من الحروف المسموعة لا في الصورة المرسومة أو المنقوشة بأشكال الكتابة ؛ لأنها ليست كلاما على الحقيقة . والترتيب المستدعي للحدوث لازم للمنتظم من الحروف المسموعة . الثاني من ناحية العقل : لو لم يتصف الله - عزّ وجل - بالكلام لاتصف بضده وهو محال ؛ فبطل ما أدى إليه وهو عدم الاتصاف ، وإذا بطل هذا ثبت نقيضه وهو الاتصاف . أما الملازمة : فدليلها أن القابل للشيء إنما يتصف به أو بضده ، واللّه قابل ؛ لأنه حيّ وأما بطلان التالي ؛ فلأن ضد هذه الصفة نقص وكل نقص عليه محال ؛ لأنه يستلزم احتياجه - عزّ وجل - إلى من يكلمه ، بأن يدفع هذا النقص عنه ، وهو بين البطلان . وأيضا : لو اتصف بالنقص لكان بعض المخلوقين أكمل منه ؛ لسلامة كثير منهم عن تلك النقائص . وقد اعترض على هذا الدليل من ناحيتين : على الملازمة : بأن اتصاف الذات بصفة أو ضدها متوقف على تصور تلك الذات بالكنه ، وحقيقة ذات الله - عزّ وجل - ليست معلومة لنا بالكنه حتى نعلم ما تقبله مما لا تقبله . وعلى بطلان التالي بإبطال دليله ، وهو أنا لا نسلم أن الضد نقص ؛ لأنكم بنيتموه على الكمال والنقص في الشاهد . ولا يلزم من كون الصفة نقصا في حق الشاهد ، أن يكون كذلك في حق الغائب ؛ لأنه قياس مع الفارق ؛ لأن الزوجة والولد كمال في حق الشاهد ، نقص في حق الغائب . الثالث : كلام المتكلم إما أن يكون اسما للمنتظم من الحروف والأصوات الدالة بالوضع ، وإما أن يكون اسما للمعنى القائم بالنفس ، فإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكون لكلام الله - عزّ وجل - معنى في نفسه أم لا ، فإن لم يكن له معنى فلا يكون آمرا ولا ناهيا ؛ لأن من قال لغيره : افعل كذا ، ولا تفعل كذا ، ولم يكن لعبارته معنى في نفسه - لا يكون آمرا ولا ناهيا ، بل يكون عابثا . وإن كان له معنى في نفسه فذلك هو الذي يراد ثبوته ، ويعبر عنه بكلام النفس ، وإن كان الثاني وهو أن الكلام اسم للمعنى القائم بالنفس فذلك هو المطلوب ، غير أنه لا يخرج عن كونه قديما أو حادثا ، لا جائز أن يكون حادثا ، وإلا كان الله - عزّ وجل - محلّا للحوادث ، وهو محال ؛ للأدلة التي أقيمت على ذلك فلم يبق إلا أن يكون قديما . وهذا الدليل وإن أثبت معنى نفسيّا وأبطل كون الكلام ألفاظا قائمة بذاته - عزّ وجل - فلم يثبت به أن هذا المعنى النفسي غير العلم والإرادة ، فللمعتزلة أن يعترضوا عليه من هذه الجهة . الكلام على أدلة المعتزلة . وقبل أن نشرع فيها نمهد لذلك فنقول : إن ما تقوله المعتزلة في كلام الله - عزّ وجل - وهو خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني المقصودة ، وكونها حادثة قائمة بغير ذاته - عزّ وجل - نقول به نحن ، ولا خلاف بيننا وبينهم في ذلك كما مر ، وما نقوله نحن ونثبته من كلام النفس المغاير لسائر الصفات هم ينكرون ثبوته ، ولو سلموا لم ينفوا قدمه الذي ندعيه في كلامه - عزّ وجل - فصار محل النزاع بيننا وبينهم إثبات المعنى النفسي ونفيه . وإذن فالأدلة الدالة على حدوث الألفاظ إنما تفيدهم -